أحمد ابراهيم الهواري
40
من تاريخ الطب الإسلامي
المسلمين واهتمامهم بها ، وإن هذا التراث العلمي الغالي لم يسلم بفضلهم من الفناء والضياع فحسب ، بل أضيف إليه الشئ الكثير . ولما ضعف المسلمون فيما بعد وخرج كثير من البلاد كالأندلس من يدهم ، كان خير ما تركوه لأخلافهم ذلك التراث العظيم من العلوم والفنون . هذا رأى فريق ، غير أن فريقا آخر يرى ، ورأى معظمهم ناشئ عن الجهل أو الغرض أو التعصب أن خدمة المسلمين للطب ليست بذات بال ، فإن هذا التراث العلمي بقي مدة كأمانة لدى المسلمين ورجال الكنيسة ، لكنهم لم يضيفوا إليه شيئا من عندهم حتى جاءت النهضة الأوروبية فتسلمه منهم رجال ذلك العهد واستفادوا منه . والحق وسط بين هاتين العقيدتين المتضادتين المتطرفتين ، فلا ريب أنه لو لم يقم المسلمون - بجمع آثار المتقدمين من العلماء وترجمتها ونقدها وشرحها وتفسيرها بتلك الدقة العظيمة لضاع الشئ الكثير من آثار اليونان العلمية . وخير شاهد على ذلك أن كثيرا من مؤلفات اليونان في الطب قد ضاعت نسخها الأصلية ، ولم يبق منها إلا ترجمتها العربية ، مثل الكتاب السابع من التشريح لجالينوس ؛ فالموجود منه الآن - هو ترجمته العربية ليس غير . زد على ذلك أن بعض الأطباء من المسلمين قد أسدوا إلى عالم الطب خدمات عظيمة ولا سيما في الطب العملي والجراحة ؛ وقد برز كثير منهم في هذا المجال ، أمثال علي بن العباس المجوسي الأهواز ، ى وأبى القاسم بن خلف الزهراوى . فإن لم نقل : إن كل ما وجد في القرون الوسطى من علوم الطب ، كان بفضل الأطباء المسلمين ، فلا أقل من انصافهم بذكر الحقيقة ، وهي أن الطب في القرون الوسطى ، مدين للطب الإسلامي والأطباء المسلمين دينا عظيما . والذين يقصرون فضل حفظ التراث العلمي القديم على العرب فحسب ، مبالغون في قولهم هذا كذلك ؛ فهؤلاء يقولون : إنه لولا المسلمون لانقطعت الصلة تماما بين النهضة الأوروبية والعلوم اليونانية القديمة . وليس ما يقولونه : كل الحق فإن قسطا عظيما من الكتب العلمية اليونانية كان موجودا في أديرة المسيحية ، وقد درسها وبحث فيه عدد من رجال العلم وحفظوا للعالم علوم اليونان وطرائق بحثهم ودراستهم العلمية . وأهمية الطب الإسلامي تقتصر على أنه كان طوال قرون عديدة أي منذ انحطاط الحضارة والعلوم عند اليونان إلى زمن النهضة الأوروبية أهم مصادر علوم اليونان وأصدقها . ولا يفتنا أن نذكر هنا أن الطب الإسلامي كسائر العلوم التي انتشرت بين المسلمين - وإن كان معظمه